ابن أبي الحديد
42
شرح نهج البلاغة
وكان يقوم كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا : ( إن أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدث بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) . وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان ، حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه ، ونهاه عن خطبته هذه ، فأبى أن ينتهى ، فكتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان يستقدمه عليه . وروى أنه لما خرج عبد الله بن مسعود إلى المدينة مزعجا عن الكوفة خرج الناس معه يشيعونه ، وقالوا له : يا أبا عبد الرحمن ، ارجع ، فوالله لا نوصله إليك أبدا ، فإنا لا نأمنه عليك ، فقال : أمر سيكون ، ولا أحب أن أكون أول من فتحه . وقد روى عنه أيضا من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول : ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب ، وتعاطى ما روى عنه في هذا الباب يطول ، وهو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه ، وإنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة أن قال لما حضره الموت : من يتقبل منى وصية أوصيه بها على ما فيها ! فسكت القوم ، وعرفوا الذي يريد ، فأعادها ، فقال عمار بن ياسر رحمه الله تعالى : أنا أقبلها ، فقال ابن مسعود : ألا يصلى على عثمان ، قال : ذلك لك ، فيقال : إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك ، فقال له قائل : إن عمارا ولى الامر ، فقال لعمار : ما حملك على أن تؤذني ؟ فقال : عهد إلى ألا أؤذنك ، فوقف على قبره وأثنى عليه ، ثم انصرف وهو يقول : رفعتم والله أيديكم عن خير من بقي ، فتمثل الزبير بقول الشاعر : لا ألفينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي ( 1 ) ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه ، أتاه عثمان عائدا ، فقال : ما تشتكي ؟ فقال : ذنوبي ، قال : فما تشتهى ؟ قال : رحمه بي ، قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال :
--> ( 1 ) البيت لعبيد بن الأبرص ، ديوانه 48 .